البغدادي

58

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وهذا عجز ، وصدره : * وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّب « 1 » * والبيت فيه من أنواع البديع التكميل ، وهو أن يأتي الشاعر أو المتكلّم بمعنى من معاني المدح ، أو غيره من فنون الشعر ، وأغراضه ، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل ، فيكمّل بمعنى آخر ، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ، ورأى مدحه بالاقتصار عليها دون الكرم مثلا ، غير كامل ، فيكمّله بذكر الكرم ، أو بالبأس دون الحلم وما أشبهه . قال ابن أبي الإصبع في « تحرير التحبير « 2 » » : وممّا وهم فيه المؤلّفون في هذا الموضع أنّهم خلطوا التكميل بالتتميم ، إذ ساقوا في باب التتميم شواهد التكميل ، لأنّهم ذكروا قول عوف : ( السريع ) إنّ الثّمانين وبلّغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان من شواهد التتميم . ومعنى البيت تامّ بدون لفظة « وبلّغتها » . وإذا لم يكن المعنى ناقصا ، فكيف يسمّى هذا تتميما ؛ وإنّما هو تكميل . وما غلطهم إلّا من كونهم لم يفرقوا بين تتميم الألفاظ ، وتتميم المعاني . وكذلك أتوا بقول المتنبي : * وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّب * البيت في باب التتميم ، وهو مثل الأوّل ، وإن زاد على الأول أدنى زيادة « 3 » لما في لفظة حاشاك « 4 » بعد ذكر الفناء من حسن الأدب مع الممدوح . وربّما سومح بأن يجعل هذا البيت في شواهد التتميم بهذه اللفظة . وأمّا الأوّل فمحض التكميل ، ولا مدخل

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " ويحتقر " في هذا الموضع وتاليه . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية وديوانه . ( 2 ) تحرير التحبير ص 360 . ( 3 ) كذا في طبعة بولاق وتحرير التحبير . وفي النسخة الشنقيطية : " أو في زيادة " . ( 4 ) في النسخة الشنقيطية : " حشاك " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق .